مصطفى صادق الرافعي
148
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
معنى بعينه قد يستقيم وقد ينتقص ، وكيفما قلّبته رأيته وجها واحدا وصفة واحدة ؛ لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة ، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين ؛ وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه . وأكبر السبب في ذلك أن هذا القرآن الكريم ليس عن طبع إنساني محدود بأحوال نفسية لا يجاوزها ، فهو يداور المعاني ، ويريغ الأساليب ويخاطب الروح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه ، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية فيه ، حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا ، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق ؛ وتراه في أوضاعه من أجل ذلك يستجمع درجات الفهم كأن فيه غاية لكل عقل صحيح ، ولكنه في نفسه وأسرار تركيبه آخر ما يسمو إليه فهم الطبيعة نفسها ؛ بحيث لو هو علا عن ذلك لخفي على الناس ، ولو نزل عن ذلك لما ظهر في الناس ؛ لأن علوه يفوت ذرعهم ، ونزوله يوجدهم السبيل إلى معارضته ونقضه ، وكلا هذين يجعل أمره عليهم غمة فلا يتجهون إلى صواب . وإنما هو في نفسه وفي أفهام الناس كما وصفه اللّه « الحقّ والميزان » « 1 » كل الناس يعملون لفهمه ويدأبون عليه ، ولكل درجات مما عملوا . نظم القرآن ذلك بعض ما تهيأ لنا من القول في الجهات التي اختص بها أسلوب القرآن فكانت
--> ولكن اختلف اللفظان ليكون في ذلك تنويع بليغ ، ويعلو آخر عن هذه المنزلة ، فيفهم أن القمر أضعف نورا من الشمس لأن هذه عبّر عنها بالسراج ، ولفظ السراج يحضر في النفس شعاعه المتقد فكأنه نور منبعث من نار ويدقق بعضهم فيرى أن الغرض هو التعبير عن الشمس بأنها تجمع إلى النور الحرارة ، ولذلك فائدة في الحياة ولهذه فائدة أخرى ، والنور نفسه لا تكاد تحس فيه الحرارة ، بل إنما تحس في السراج ووهجه ، وكأن المفسرين لم يتعدوا المنزلة الثانية ، ولم يفطنوا حتى ولا للثالثة . ثم يفهم أهل القلوب الحديثة مع كل هذه الوجوه أن المراد من الآية إثبات ما كشفته هذه العلوم ، من أن القمر جرم مظلم ، وإنما يضيء بما ينعكس عليه من نور الشمس التي هي ( سراجه ) إذ النور لا يكون من ذات نفسه ابتداء ، ولا بد له من مصدر يبعثه ، فذكر السراج بعد النور دليل على أن هذا مصدره ذاك . فتأمل ، أيمكن أن يكون هذا في طاقة رجل من العرب منذ ثلاثة عشر قرنا في تلك الجزيرة ؟ وإذا كان في طاقته وكان ينظر إلى حقيقة المعنى العلمي - مع أن هذا المعنى لم يعرفه المفسرون في استبحار التمدن الإسلامي - فهل كانت تجيء العبارة إلا على الأصل الذي في نفسه فتخرج صريحة في المعنى ، كما هي طبيعة الكلام الإنساني ! إن بين الآية وبين كلام الناس ، كالفرق بين نبي يوحى إليه وبين معلم جغرافيا . . . ! . ( 1 ) هذه الكلمة وحدها في وصف القرآن معجزة ، فقد أثبتت كل العلوم أن ( الميزان ) أصل الكون ، وأن كل شيء بقدر ونسبة ؛ وعطف الميزان على الحق في وصف القرآن مما يحير العقل ، لأن أحدهما مما يلينا خاصة ، والآخر مما يلي الكون عامة : حق لا يتغير ولا يتبدل ؛ وميزان لا يغير ولا يبدل .